شخصية “إسرائيل” المارقة في نشر المعلومات بقلم توفيق الناصري

موقع مصرنا الإخباري:

إن الكثير من الحصار المفروض على وسائل الإعلام المؤيدة للفلسطينيين يعكس الحصار المستمر منذ عقود على غزة من قبل النظام الصهيوني نفسه.

إذا كان قصف السكان المحاصرين حسب الرغبة، وإنشاء “بانتوستانات” خارج الأراضي المحتلة لعقود من الزمن، وارتكاب جرائم حرب فظيعة ومروعة وخسيسة ضد السكان ليس أمرًا فظيعًا بما فيه الكفاية، فإن النظام الصهيوني بديماغوجيته اليمينية المتطرفة قد استخدم تقنيات عملياتية للتأثير على الفضاء المعلوماتي والفضاء الإلكتروني في عام 2023. وقد تم اختراق المعلومات حول ما يحدث في فلسطين من خلال نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية والملاحظات المهينة والتنميط العرقي للفلسطينيين. علاوة على ذلك، فإن إسكات الأصوات المعارضة لأولئك الذين يفضحون الفظائع الإسرائيلية هو تكتيك آخر ترعاه الدولة ويظهر أن النظام عدو للشفافية والمساءلة والإنسانية في عام 2023 وما بعده.

وتهدف الاستراتيجيات المعتمدة إلى توفير ما يسمى بالغطاء الأخلاقي للفظائع التي ترتكبها إسرائيل. منذ قصف غزة، نشر مستخدمو منصة التواصل الاجتماعي “X” أخبارًا كاذبة على شكل مذكرة يُزعم أنها من البيت الأبيض تفيد بأن إدارة بايدن سترسل 8 مليارات دولار كمساعدة أمريكية لـ “إسرائيل”. وبالمثل، فإن المنشورات التي شيطنت حماس عمدا من خلال نشر لقطات مزيفة لفتاة صغيرة يتم إحراقها من قبل الغوغاء كانت في الواقع مقطع فيديو من غواتيمالا في عام 2015. ونتيجة لهذه الحرب الدعائية، تم تدمير منصات مثل X، وTelegram، وTikTok. تم انتقادها لفشلها في منع طوفان المعلومات المضللة باعتبارها سمة مميزة لسياسة العالم الحقيقي.

إن مثل هذه الطوفان هي أيضًا فظيعة وغير أخلاقية. على سبيل المثال، وصلت الادعاءات المروعة حول استهداف حماس للأطفال الرضع في “إسرائيل” إلى الصفحات الأولى من الصحف الشعبية الكبرى. لكن في الوقت نفسه، لم تقدم الإدارة الصهيونية أي دليل على قطع رؤوس الأطفال. والحقيقة هي أنها اختارت الترويج لروايات تهدف إلى تشويه حق الفلسطينيين المشروع في تقرير المصير، ووصف أولئك الذين يهتفون من أجل الحرية بالإرهابيين. وفقًا للرئيس التنفيذي لـ CREO Point، وهي مجموعة استخبارات أعمال تركز على المعلومات المضللة، وجد بحث جان كلود جولدنشتاين “انفجارًا بمقدار 100 مرة” في عدد الادعاءات الفيروسية المتعلقة بالقتال المستمر بين “إسرائيل” والمقاومة الفلسطينية، والتي أكدها العديد من المحققين المستقلين. تعتبر احتيالية وكاذبة تماما. ومع ذلك، فالحقيقة هي أن الطبيعة المشحونة لما كان يحدث قد مكنت مجموعة من المتعصبين العنصريين الصهاينة من الانتشار في الفضاء الإلكتروني، وإسكات الصوت الفلسطيني، وتعزيز رواية “الضحية” لإخفاء الإرهاب الذي ترعاه الدولة.

ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، اتهم الآلاف من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينيين فيسبوك وإنستغرام بتكميم المنشورات المؤيدة للفلسطينيين على الرغم من أن الرسائل المنشورة لم تنتهك قواعد ميتا. ويشمل ذلك رسائل دعم للنازحين والمضطهدين والجرحى والقتلى بلا رحمة على يد قوات الاحتلال. بالإضافة إلى ذلك، ادعى بعض المستخدمين الفلسطينيين أن فيسبوك قام بقمع حساباتهم عمدا بسبب الدعوة إلى احتجاجات ضد الفظائع الإسرائيلية في المدن الكبرى في الولايات المتحدة بما في ذلك سان فرانسيسكو. وعلى الرغم من عدم ارتباطها بشكل مباشر، فإن مثل هذه التدابير تغذي المحاولات المتعمدة للنظام الصهيوني للسيطرة على الروايات لصالحه.

ثم يأتي الاستهداف الوقح والوحشي للصحفيين ووسائل الإعلام والمنظمات التي تكشف جرائم الحرب الإسرائيلية. على سبيل المثال، لم تتدخل آلية الحرب في جنوب لبنان، حيث استهدفت الغارات الجوية الإسرائيلية صحفي رويترز عصام عبد الله. وبالمثل، ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن اثنين من مراسليها أصيبا جراء الغارات الجوية الإسرائيلية. هذه الهمجية دفعت نقابة الصحفيين اللبنانيين إلى إدانة استهداف الصحفيين واعتباره جرائم حرب بشكل لا لبس فيه. وما لا لبس فيه بنفس القدر هو أن وسائل الإعلام في غزة تم استهدافها بشكل منهجي من خلال قطع الاتصالات السلكية واللاسلكية بينما يتم منع روايات الضحايا المتزايدة من الوصول إلى المجتمع الدولي. صرح رئيس المكتب الإعلامي للحكومة في غزة، سلامة معروف، بوضوح، أن طائرات الاحتلال استهدفت المكاتب أثناء تغطيتها عملية إخلاء مبنى سكني مهدد بالقصف غرب غزة. وبالمثل، أدانت نقابة الصحفيين الفلسطينيين واتحاد الصحافة الفلسطينية، بحق، الهجوم الذي يسعى إلى خنق كل ذرة من حق تقرير المصير العادل في سجلات التاريخ الفلسطيني.

ما هو ملحوظ هو أن الكثير من الحصار المفروض على وسائل الإعلام المؤيدة للفلسطينيين يعكس الحصار المستمر منذ عقود على غزة من قبل النظام الصهيوني نفسه. علماً أن شبكات الهاتف المحمول وقطع خطوط الإنترنت عمداً وتفاقم أزمة الكهرباء هي بمثابة تكريس “الفصل العنصري السيبراني”.لا يقل خطورة عن الفصل الجسدي. ويعني جواز محو القصص والتاريخ والتأملات الفلسطينية التي تشكل جانباً أساسياً من الخطاب في الشرق الأوسط.

وفي حين أن سكان غزة معتادون منذ فترة طويلة على مثل هذا الإرهاب الذي ترعاه الدولة، فإن الوضع المتدهور في عام 2023 لن يؤدي إلا إلى تفاقم مشاكلهم. لقد ناضل الفلسطينيون جاهدين لنقل الأحداث الجارية بشكل دقيق ولحظي، سواء كانت خسائر في صفوف المدنيين، أو عمليات عسكرية، أو جهود إعادة التأهيل. وهذه التغطية الحقيقية على الأرض هي بالضبط ما تسعى “إسرائيل” إلى منعه، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى إضعاف صورتها في المجتمع الدولي ويؤدي إلى تحديات لنظام نتنياهو.

إن جهود الضغط القوية تحول دون أي إمكانية لضمان كشف الحقيقة. وبينما يتم ذبح الآلاف من الفلسطينيين على يد قوات الاحتلال، فإن المعلومات في حد ذاتها هي أداة يمكن أن تضيء الخطابات وتدين القوة الفاشية المحتلة لجرائمها ضد الإنسانية. إن ما حدث هو مأساة للعدالة ونداء استيقاظ للدول الغربية التي كثيرا ما تروج لقضية حقوق الإنسان والشفافية والمساءلة.

“إسرائيل” تفلت من جرائم القتل في الأراضي المحتلة وتخنق المعارضة في هذه العملية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

آخر العناوين

عناوين أخرى